ابن الجوزي
190
صفة الصفوة
قائم على تلك الحال يقدّم رجلا ويؤخّر رجلا ويقول : يا ربّ إذا جمعت الأوّلين والآخرين فحرّم شيبة مالك بن دينار على النار . فما زال كذلك حتى طلع الفجر . فقلت في نفسي : واللّه لئن خرج مالك بن دينار فرآني لا تبلّني عنده بالّة أبدا . فجئت إلى المنزل وتركته . جعفر بن سليمان قال : سمعت مالك بن دينار يقول : كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة ، وكفى بالمرء شرا أن لا يكون صالحا ويقع في الصالحين . سلم الخوّاص قال : قال مالك بن دينار : خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها . قالوا : وما هو ؟ قال : معرفة اللّه عزّ وجلّ . قطر بن حماد بن واقد قال : أنبأ أبي قال : سمعت مالك بن دينار يقول : قولوا لمن لم يكن صادقا لا يتعنّى . جعفر قال : سمعت مالك بن دينار يقول : إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب كما أن البيت إذا لم يسكن خرب . جعفر قال : سمعت مالكا يقول : اتّقوا السحّارة ، اتقوا السحّارة ، فإنها تسحر قلوب العلماء . قال : وسمعته يقول : لو أعلم أن قلبي يصلح على كناسة لذهبت حتى أجلس عليها . وسمعته يقول : وددت أن اللّه عزّ وجل أذن لي يوم القيامة إذا وقفت بين يديه أن أسجد سجدة فأعلم أنه قد رضي عني ، ثم يقول لي : يا مالك كن ترابا . وسمعته يقول : إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما تزلّ القطرة عن الصفا « 1 » . وسمعته يقول : إنك إذا طلبت العلم لتعمل به كسرك العلم وإذا طلبته لغير العمل به لم يزدك إلا فخرا .
--> ( 1 ) الصخر الأملس مفرده صفاة .